أبي الفرج الأصفهاني
494
الأغاني
كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوما فقال الغلام الذي على الستارة : يا بن جامع ، تغنّ ببيت السّعديّ [ 1 ] : فلو سألت سراة الحيّ سلمى على أن قد تلوّن بي زماني لخبّرها ذو والأحساب عنّي وأعدائي فكلّ قد بلاني بذبّي الذمّ عن حسبي بمالي [ 2 ] وزبّونات أشوس تيّحان [ 3 ] وأني لا أزال أخا حروب إذا لم أجن كنت مجنّ جاني قال : فحرّك ابن جامع رأسه - وكان إذا اقترح عليه الخليفة شيئا قد أحسنه وأكمله طار فرحا - فغنّى به ؛ فاربدّ وجه إبراهيم لمّا سمعه منه ، وكذا كان ابن جامع أيضا يفعل ؛ فقال له صاحب الستارة : أحسنت واللَّه يا أميري ! أعد فأعاد ؛ فقال : أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبدا . ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم : تغنّ بهذا الشعر فتغنّى ؛ فلما فرغ قال : « مرعى ولا كالسّعدان » [ 4 ] ! أخطأت [ 5 ] في موضع كذا / وفي موضع كذا . فقال : نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين / أخطأ حرفا ، وقد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين . قال إبراهيم : فلما انصرفنا قلت لابن جامع : واللَّه ما أعلم أنّ أحدا بقي [ 6 ] في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين . قال : حقّ واللَّه ، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه . صوت كان إذا غناه في مجلس لم يتغن بغيره : قال إسحاق : كان ابن جامع إذا تغنّى في هذا الشعر : صوت من كان يبكي لما بي من طول سقم رسيس [ 7 ]
--> [ 1 ] هو سوّار بن المضرب السعدي . [ 2 ] كذا ورد هذا الشطر في الأصول . وروايته في « لسان العرب » مادة ( تيح ) : « بذبي اليوم . . . » . وفي مادة ( زبن ) : « بذبي الذم عن أحساب قومي » . [ 3 ] كذا في س و « لسان العرب » و « الصحاح » ( مادتي زبن وتيح ) . وقد صححها كذلك المرحوم الشيخ الشنقيطي بقلمه على هامش نسخته . وزبونات : جمع زبونة وهي الكبر . يقال : رجل فيه زبونة أي كبر ، وذو زبونة أي مانع جانبه . ويقال : الزبونة من الرجال : المانع لما وراء ظهره . وقال ابن بري : زبونات : دفوعات ، واحدها زبونة ، يعني بذلك أحسابه ومفاخره أي أنها تدفع غيرها . والأشوس : الذي ينظر بمؤخر عينه من الكبر . والتيحان ( بكسر الياء المشددة وفتحها ) : الذي يتعرض لكل مكرمة وأمر شديد . وفي سائر الأصول : « ودبوسات أشوس . . . » . [ 4 ] قال أبو حنيفة الدينوري : من الأحرار السعدان وهي غبراء اللون حلوة يأكلها كل شيء وليست بكبيرة ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم . ومنبته سهول الأرض ، وهو من أنجع المراعي في المال ، ولا تحسن على نبت حسنها عليه . قال النابغة : الواهب المائة الأبكار زينها سعدان توضح في أوبارها اللبد وهذا مثل يضرب للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله . ( راجع « مجمع الأمثال » ج 2 ص 191 و « اللسان » مادة سعد ) . [ 5 ] في ب ، س : « لم أخطأت » . [ 6 ] في ح : « يغني » . [ 7 ] الرسيس : الثابت الذي قد لزم مكانه . ويقال : رس السقم في جسمه وقلبه رسيسا إذا دخل وثبت .